ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف تحذير الجهول من ضرر الفضول
تاريخ إضافة الملف 19/03/2009
عدد المشاهدات( 2263 ) عدد مرات التنزيل( 565 )
[تحذير الجهول من ضرر الفضول(144)]
خطبة جمعة: (29/جماد الأول/1428هـ)
(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)
=============================
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]،﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].
أما بعد:
فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.
أيها الناس! يقول ربنا عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا﴾[الطلاق:2-3], ويقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنثَى وَمَا تَغِيضُ الأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ﴾[الرعد:8], ويقول عز وجل: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾[الشورى:27].
ففي هذه الآيات أن الله سبحانه وتعالى الذي خلقنا وأوجدنا له في ذلك حكمة عظيمة وحجة بالغة: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ﴾[الأنعام:149], وأن الأمور بمقادير، وكل شيء له مقدار وله حد كل مخلوق، وهكذا أيضاً ما فرضه الله وشرعه الله له أحكام وضوابط وشروط، وتلك تحديداتها على العباد وأن الأمر ليس موكولاً إلى تصرف العبد في ذلك، وإنما هو عبد يعبد الله عز وجل بما شرع، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿هَذَا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنذَرُوا بِهِ﴾[إبراهيم:52], وقال الله سبحانه وتعالى بعد أن ذكر جملة من الآيات، قال: ﴿بَلاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ﴾[الأحقاف:35], أي: هذا بلاغ، وقال الله عز وجل: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾[النساء:26], وقال الله عز وجل: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[النحل:44], وقال الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا﴾[المائدة:3], وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا﴾[المائدة:101], وقال بعدها: ﴿قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾[المائدة:102].
في هذه الآيات أن الإنسان يجب أن يكون منضبطاً بما أُمر به، ومبتعداً عما نهي عنه، ومجتنباً لما فضل عن ذلك، وما زاد عن ذلك من الأقوال والأفعال وغير ذلك من الظواهر والبواطن, وإن من أشراط الساعة لهو فشو الفضول بين الناس الذي أخبر عنه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله: «قبل الساعة سنوات خداعة يخون فيها الأمين ويؤتمن فيها الخائن وينطق فيها الرويبضة قالوا: وما الرويبضة يا رسول الله؟ قال: السفيه يتكلم في أمر العامة», هذا السفيه لا شأن له في الكلام وليس من شأنه إصلاح شأن العامة، ومع ذلك يتكلم في شئون العامة فضولاً، وفي الصحيحين من حديث عمران بن حصين ما يؤيد الحديث المتقدم من أن كثرة الفضول، وأن فشو الفضول بين الناس هو في الحقيقة من أشراط الساعة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «خيركم قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يكون أناس يشهدون ولا يستشهدون، وينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويظهر فيهم السمن», وشاهدنا في هذا الحديث العظيم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن القرون الخيرية، ثم أبان أن أناساً سيأتون بعد تلك القرون يستعملون الفضول حتى في شهادتهم: «تسبق شهادته يمينه ويمنه شهادته»، وهذا على سياق الدم، إذ أن الإنسان لا يبذل الشهادة إلا عند طلبها: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾[البقرة:283], إلا إذا خيف ضياع الحق ولم يكن هناك من يشهد بذلك الحق غيره فعندئذ بذله لذلك الحق وشهادته بذلك القول الذي كاد أن يفوت بسببه الحق لولا شهادته بعد الله عز وجل؛ يجعله ذلك من خير الشهود عند الله، كما في الصحيح أيضاً: «خير الشهود عند الله يوم القيامة من يأتي بشهادته قبل أن يسألها», أما من يكون الأمر واضحاً عند الناس ورأوه أكثر من واحد، ثم هو يأتي ويشهد بغير طلب فإن هذا جانب من الفضول يعتبر من أشراط الساعة، وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «دعوني ما تركتكم، إنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم، واختلافهم على أنبيائهم، فما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فائتوا منه ما استطعتم», وهذا تأديب نبوي عظيم أن الإنسان يلزم الحق، وأنه لا يتدخل فيما لا يعنيه، ولا يسأل عما لا برهان له به، وليس من شأنه، وأن بني إسرائيل كان من أسباب هلاكهم كثرة أسئلتهم وفضول كلامهم، أمرهم نبيهم موسى عليه الصلاة والسلام أن يذبحوا بقرة، فلا يزالون مستمرين من سؤال في سؤال شددوا فشدد الله عليهم: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ﴾[البقرة:67-68], هذا كان كافياً لهم، ففعلوا ما تؤمرون فاستمروا في الأسئلة: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ * قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ * قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾[البقرة:69-71], معناه: أنهم بعد ذلك انقطعوا ولم يكن لهم مجال لكثرة الأسئلة وإلا لاستمروا، وما كادوا يفعلون، فبسبب فضولهم سواء كان ذلك الفضول في الكلام أو كان ذلك الفضول في التنطع في المطالب: ﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ * قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾[المائدة:112-113].
أيها الناس! أمر الفضول أمر قديم، ولكنه يفشو ويكثر في هذه الأزمنة على ما تقدم من الأدلة؛ من حيث أنه أيضاً يعتبر من أشراط الساعة «ولا يأتي عام إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم»، كذا قال صلى الله عليه وسلم، وإنه لا يكتمل إيمان إنسان من الناس حتى يكف عن الفضول عما لا يعنيه، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت», «قل خيراً تغنم أو اسكت عن شر تسلم», وما زاد عن الخير هو فضول، يعرض الإنسان لبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم، كما ثبت ذلك من حديث جابر عند الترمذي رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحاسنكم أخلاقاً, وإن من أبغضكم إلي يوم القيامة الثرثارون المتشدقون المتفيهقون», ومعلوم في اللغة العربية أن (الثرثرة) كثرة الكلام وفضول الكلام؛ الكلام الزائد الذي لا حاجة له ولا نفع فيه، هذا يعرض العبد لبغض رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، وفي صحيح مسلم من حديث ابن مسعود رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هلك المتنطعون», والمتنطعون: هم المتفيهقون في الكلام والمبالغون فيه بما لا حاجة إلى ذلك إلا مجرد التشدق، هذا أيضاً فضول زائد لا حاجة له ولا يحتاج إلى تكلف: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾[ص:86], «نهينا عن التكلف»، التكلف فضول يسبب بغض رسول الله صلى الله عليه وسلم لذلك المتكلف، وقال عليه الصلاة والسلام مبيناً أن من أسباب النجاة ملازمة الإنسان لما يعنيه واجتنابه ما لا يعنيه: «يا رسول الله ما النجاة؟ قال: امسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك», هذا الذي يعنيك أنت أنك تشتغل بما ينفعك وتحرص عليه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجزن», وثبت مرسلاً من مراسيل زين العابدين وهو من كبار التابعين إلى النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من حسن إسلام المرء تركه مالا يعنيه», الشيء الذي لا يعنيك إذا تركته يحسن إسلامك، وذاك برهان وعلامة وآية على حسن إسلامك، وإذا تدخلت فيما لا يعنيك فذاك معناه يدل على ضعف إسلامي عندك، وعلى ضعف إيماني عندك، فمن حسن إسلام المرء تجنبه للفضول الذي تورط فيه كثير من الناس ولا حول ولا قوة إلا بالله.
أيها الناس! إن أمر الفضول سواء كان في الكلام لا خير فيه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله، فإن كثرة الكلام في غير ذكر الله قسوة للقلب», أهذا فيه خير؟ إذا كان يؤدي إلى قسوة قلبك والسبب في ذلك ثرثرتك وكثرة كلامك وتدخلك فيما لا يعنيك يسبب لك الضيق القسوة، قال: «وإن أبعد الناس من الله القلب القاسي», وفعلاً أن القلب القاسي أبعد ما يكون من ربه، فلا يخشع بتلاوة ولا يطمئن لصلاة، ولا يحب في الله ولا يبغض في الله إلا أن يتداركه الله برحمته, وهكذا يسترسل أمر الفضول في جوانب شتى كثيرة جداً، سواء كان ذلك في الطعام أو في الشراب أو في الملبس أو في المسكن أو في غير ذلك، فإن أمر الفضول ليس مقصوراً على الكلام فحسب، وإن كان بعض اللغويين ربما قصره على ذلك، لكن جوانب الأدلة تشمل الجميع، وذلك أنه يدخل فيه الإسراف: ﴿وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾[الأنعام:141], فالمسرف دخل نفسه في جانب الفضول، في زائد مما لا يحتاجه، والمبذر كذلك: ﴿وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾[الإسراء:26-27], وهكذا في الطهارة، ثبت من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: «أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ ثلاثاً، ثم قال: من زاد على ذلك فقد تعدى وظلم», دل هذا أن من استعمل الفضول ولو كان في الطهارة وفي المبالغة فيها أنه يؤدي بنفسه إلى العدوان وإلى الظلم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول كما ثبت عن أبي ثعلبة بشواهده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وحد حدوداً فلا تعتدوها، وسكت عن أشياء فلا تبحثوا عنها», فالذي يدخل نفسه في الفضول في المبالغة في الغلو في الزائد عن الحقيقة، في الزائد على المحتاج إليه، الذي يدخل في ذلك يعتبر متجاوز للحد، وإذا تجاوز حداً من حدود الله فقد ظلم نفسه: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾[الطلاق:1], وثبت عن جابر بن عبد الله: (أن رجلاً سأله عن الغسل في الجنابة؛ سأله عن ماء الغسل كم يكفيه؟ قال: يكفيك صاع، قال: لا يكفيني، قال: قد كفى من هو خير منك وأوفى منك شعراً) كفى رسول الله صلى الله عليه وسلم, ومعنى ذلك: أن الإنسان إذا أسرف في الماء دخل أيضاً في الإسراف ودخل في الفضول فيما لا ينفعه ولا يحسنه، الحديث متفق عليه.
ويتدخل أمر الفضول فيما الناس فيه الآن يتدافعون، وهل هلك الناس إلا بالتدافع على الدنيا وطلب الفضول، أما طلب القوت الشرعي، والقوت اللازم فذلك أمر مطلوب شرعاً: «كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت», «بحسب امرئ من الشر أن يحبس عمن يملك قوته»، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾[الملك:15], وقال النبي صلى الله عليه وسلم, «لو توكلتم على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدوا خماصاً وتروح بطاناً», وقال النبي صلى الله عليه وسلم للمحترف والذي كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم: «لعلك ترزق به», وكان الأنصار في زمن النبي صلى الله عليه وسلم يشتغلون في مزارعهم ويكتسبون، وكان المهاجرون أغلبهم أيضاً يتاجرون ويكتسبون، وأمر الاكتساب أمر شرعي له بابه وأدلته من كتاب الله وسنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم، سواء كان ذلك الاكتساب في الزراعة أو الصناعة أو التجارة.. أو غير ذلك من المكاسب الشرعية، ولكن من ألهته عن ذكر الله وشغلته المكاسب الفضولية عن كسبه وعن رزقه، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾[المنافقون:9], وأخبر رسول صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين من حديث عمرو بن عوف رضي الله عنه، أن الفضول وطلب الفضول الزائد عن الحاجة في أمر الدنيا هلكة: «لما قدم أبو عبيدة بمال من البحرين، وافى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر معه، فقال: أظنكم علمتم أن أبا عبيدة قدم بمال من البحرين؟ قالوا: نعم يا رسول الله، قال: أبشروا وأملوا ما يسركم، والله ما الفقر أخشى عليكم، ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا فتنافسوها كما تنافسوها، فتهلككم كما أهلكتهم», وهذا معناه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خاف علينا التدافع في الدنيا وطلب المزيد والفضول فيها، وقال: «لو أن لابن آدم واد من ذهب لأحب أن يكون له واديان، ولو كان له واديان أحب أن يكون له ثالث، ولا يملأ فاه إلا التراب ويتوب الله على من تاب», ومعنى ذلك أنه يصير بذلك جشعاً هلعاً: ﴿فَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾[التوبة:55], ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾[سبأ:37], فدل هذا أن التدافع على الدنيا وطلب الفضول منها والزائد منها بما لا يحتاج له الإنسان في الحقيقة في قوته وما يشغله وما هو من شأنه، فإن ذلك يعتبر هلكة، خاف رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا ذلك، في الصحيحين عن أبي سعيد الخدري رضي لله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس وجلسوا حوله، فقال: «إن مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها», وثبت عن أبي الدرداء أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «والله لتصبن عليكم الدنيا صباً، حتى ما يزيغ قلب أحدكم إزاغة إلا هي», هذا هو في الحقيقة التدافع على الدنيا وطلب الفضول منها: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الآخِرَةَ وَلا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾[القصص:77], رسول الله صلى الله عليه وسلم نام على حصير فقام وقد أثر الحصير في جنبه، فقالوا: «يا رسول الله لو أخذنا لك موطئاً، قال: ما لي وللدنيا؟ إنما أنا كمسافر استظل تحت ظل شجرة، ثم راح وتركها», فاعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زاد عن ذلك القدر الذي نام عليه فضولاً، وفي الحقيقة أن الفضول توسع فيه الناس، سواء كان في المطاعم أو المشارب أو المباني أو غير ذلك.
فيا أيها الناس! أمر الفضول أمر شاق على العباد، يجعل الإنسان جشعاً هلعاً لا يمكن أن يقنع بالخير، ولا يفلح مادام شأنه ذلك طامعاً جاهداً في الفضول، فقد ثبت من حديث عبد لله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أفلح من أسلم ورزق كفافاً وقنعه الله بما آتاه», وفي صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من يضمن لي ما بين لحييه وما بين رجليه أضمن له الجنة», ليس المقصود أنه يضمن ما بين لحييه عن الكلام الحسن أو عن الطعام الحسن الحلال، أو عن العشرة الحسنة الحلال، ولكن عما زاد عن الحلال الذي هو في الحقيقة فضول ولا يعود عليه إلا بالضرر، وحسبنا الله ونعم الوكيل.
الخطبة الثانية:
الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.
أما بعد:
فلا يغررك الفضول، ولو كان في صورة حسنة: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾[المائدة:100], فالمربون المتعاملون بالربا إنما يريدون أن يفضل مالهم ويزيد، ولكن ذلك يصير حرباً عليهم من الله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾[البقرة:279] كذا يقول ربنا سبحانه, وثبت عن ابن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما أكثر أحد من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة».
وهكذا لا تغررك الفضوليات الزائدة عن الحق وعن الصواب، فإن ذلك من أسباب عدم قبول التوبة، ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله لا يقبل توبة صاحب بدعة حتى يدع بدعته», أي: الزائد عن الأمر المشروع الذي أتى به في دين الله، وفي الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد».
الشريعة مكتملة، لم يمت رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تركنا على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، فمن أتى بزيادة عليها فهو فضولي، من أتى بزيادة على دين الله وفي شريعة الله فهو فضولي، وهو أيضاً محدث في دين الله مبتدع في دين الله ترد عليه بدعه وفضوله، فالفضول أمر كان من أسباب الحدث في الدين، لهذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغضب إذا علم من إنسان لم يقنع بالطريقة التي سار عليها، أو على الأقل أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراد ذلك تأديباً لهم ولغيرهم: «حين مر بحبل ممدود لزينب قال: ما هذا؟ قالوا: إذا فترت تعلقت به، قال: حلوه، ليصلّ أحدكم نشاطه، فإذا فتر فليرقد», وقال في الحديث الآخر: «لما ذكروا امرأة أنها تفعل وتفعل من حيث العبادة، قال: مه، عليكم بما تطيقون، فو الله لا يمل الله حتى تملوا», وفي الصحيحين عن أنس بن مالك رضي الله عنه: «أن أناساً أتوا إلى أبيات النبي صلى الله عليه وسلم فسألوا عن عبادته، فلما أخبروا كأنهم تقالوها، قال أحدهم: أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر، وقال الآخر: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فلا أتزوج النساء, -وفي رواية-: أن أحدهم قال: لا أكل الحم»، فعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الشيء الزائد على طريقته وعلى هديه القويم فأتاهم فقال: «أيها الناس! والله إني لأعلمكم بالله وأتقاكم له، لكني أقوم وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوج النساء، فمن رغب عن سنتي فليس مني», وثبت من حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه، قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله كأنها موعظة مودع فأوصنا، قال: أوصيكم بتقوى الله، والسمع والطاعة، وإن تأمر عليكم عبد، فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافاً كثيراً», زوائد منكرة.. زوائد واختلافات كثيرة، وهكذا أيضاً سيرى غلواً وبدعاً ومحدثات وفضوليات في أمور الدين والدنيا، قال صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور».
والحمد لله رب العالمين.