ترجمة الشيخ
الفتاوى
الصوتيات
المقالات
المكتبة العلمية
الفتاوى الصوتية المفرغة
إرسل سؤلاً
اتصل بنا
الصوتيات -> خطب ومحاضرات متنوعة
عنوان الملف شرح سورة العصر وبيان أن الحق واحد
تاريخ إضافة الملف 02/04/2009
عدد المشاهدات( 4033 ) عدد مرات التنزيل( 1160 )

[شرح سورة العصر وبيان أن الحق واحد]

خطبة جمعة بتاريخ: (................)

(للشيخ العلامة المحدث: أبي عبد الرحمن يحيى بن علي الحجوري -حفظه الله تعالى-)

==================================

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله.

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[آل عمران:102]، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾[النساء:1]، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾[الأحزاب:70-71].

أما بعد:

فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار.

أيها الناس! يقول الله سبحانه وتعالى في كتابة الكريم: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾[العصر:1-3]، قد أبان الله سبحانه وتعالى في هذه السورة العظيمة التي يقول الإمام الشافعي رحمه الله: لو تدبر الناس هذه السورة لكفتهم.

أبان الله عز وجل فيها: أن الإنسان في خسارة إلا من كان مؤمناً بالله سبحانه وتعالى، وبجميع أركان الإيمان وشعائر الإيمان، وأمور الإيمان فإن قول الله عز وجل: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا[العصر:3]، شاملٌ وهكذا من جمع مع الإيمان: العمل الصالح، ولا يصير مؤمناً إلا بالعمل الصالح، فإن من لازم الإيمان العمل, والعمل داخل في مسمى الإيمان لما في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «الإيمان بضع وستون شعبة فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

وهذا الحديث: دليل على ما ذكر، فإن الحياء من أعمال القلوب، وإن إماطة الأذى عن الطريق من أعمال الجوارح، وذلك من أعمال الإيمان، وهكذا النيات من أعمال القلوب، ولا تصح الأعمال إلا بالنيات لما في الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إنما الأعمال بالنيات», وربنا سبحانه وتعالى يقول في كتابه الكريم: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾[البقرة:143], لما قال بعضهم: أن أناساً ماتوا وكانوا يشربون الخمر قبل تحريمها، فتوقعوا أن هذا يضر بإيمانهم وبأعمالهم، فنزلت هذه الآية أن أعمالهم لا تضيع؛ لأن ذلك العمل منهم كان قبل تحريم الخمر, وإن مما أعظم ما نتواصى به تنفيذاً لمراد الله سبحانه وتعالى منا، وبياناً على أن هذا من شأن الصالحين المؤمنين: التواصي بالحق، وهو كتاب الله سبحانه وتعالى، فكتاب الله حق، يقول ربنا سبحانه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾[الحديد:16].

إنه يجب علينا عباد الله أن نتواصى كثيراً بهذا الحق، وبالعناية به، وبتدبره، وبتلاوته، وبالعمل به، وبتطبيقه في كل ما جاء.. في كل ما دل عليه من صغيرة وكبيرة، وإذا أفرد لفظ القرآن شمل السنة, وإذا أفرد لفظ السنة شمل القرآن، فإن السنة قد تطلق على هدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى ما جاء به، يؤيد ذلك ما في الصحيحين من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فمن رغب عن سنتي فليس مني», أي: عن هديي.

ولقد أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن، ويجب علينا تنفيذ وصية رسول الله عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت في الصحيح من حديث طلحة بن مصرف قال: قلت لعبد الله بن أبي أوفى رضي الله عنه: هل أوصى رسول الله صلى الله عليه وسلم بشيءٍ؟ قال: أوصى بالقرآن, أوصى بكتاب الله، ويجب علينا أن نوصي بما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وأخرج الإمام مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بماء يدعى خما بين مكة والمدينة فقال: «.. ألا أيها الناس! إنما أنا بشر مثلكم يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، وإني تارك فيكم ثقلين أحدهما كتاب الله فيه الهدى والنور، فخذوا بكتاب الله وتمسكوا به», فحث على كتاب الله ورغب فيه «.. وأهل بيتي أذكركم الله أهل بيتي», وفي رواية للإمام مسلم قال: «أحدهما كتاب الله وهو حبل الله من تمسك به كان على هدى، ومن تركه كان على ضلالة».

أيها الناس! إن الله قد أخبرنا في كتابه الكريم.. في كتابه العظيم.. في كتابه المبين، الذي: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾[فصلت:42], وهذه صفة من صفات هذا الكتاب، الذي قد حفظه الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾[الحجر:9], فلا يمكن لمبطلٍ أن يغير هذا الحق، وهذا القرآن؛ لأن الله قد ضمن حفظه.

يجب علينا أن نتواصى بهذه الوصية التي أوصى بها رسول الله صلى الله عليه وسلم الوصية بكتاب الله طالما تخلى كثير من الناس عنه عن قراءته وتدبره والعمل به، وإن هذه شقاوة وتعاسة وردى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى * وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى﴾[طه:123-126], من الذي يستطيع أن يتحمل هذه الأمور.. من الذي يستطيع أن يتحمل هذا والوعيد؛ بسبب إعراضه عن هذا الكتاب المبين، ولقد أخبر الله سبحانه وتعالى أن الله سينتقم ممن أعرض عن القرآن: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ﴾[السجدة:22], إجرام إجرام، إهمال القرآن إجرام، إعراض إعراض، يقول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا﴾[الجن:17].

فدل هذا عباد الله! أنه يجب علينا العناية بهذا الكتاب علماً، وتدبراً، وتفسيراً, ولقد ذم الله أهل الكتاب الأُول على بعدهم عن كتابهم: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾[آل عمران:187].

وصاروا ملعونين مذءومين مدحورين: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ * كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾[المائدة:78-79], ما أخذوا بكتابهم، ولا اعتنوا به، وصاروا يلبسون على الناس من أجل مطامع الدنيا: بأن ذلك هو كتاب الله ويزيدون فيه وينقصون، ويحرفون فيه ويبترون: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾[البقرة:79], وقال سبحانه: ﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾[البقرة:75].

ما اعتنوا بالقرآن، خانوا في هذه الرسالة التي أرسلها الله إلى نبيهم خانوا في هذا القرآن، ولم يعتنوا به فذمهم الله، وذمهم في القرآن والسنة بما لا مزيد عليه, شر البرية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُوْلَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ﴾[البينة:6], ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ﴾[الأنفال:55].

فكان الواجب علينا العناية التامة بهذا القرآن، بهذه الرحمة، هذا القرآن رحمة علينا من الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[يونس:57], ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾[يونس:58], فرحنا والله، رضينا بهذا القرآن، انشرحت صدورنا بهذا القرآن، ومن لم ينشرح صدره فهو في ضيق: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾[الزمر:22], نعم هذا القرآن نور، وهو رحمة أيضاً رحمة، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُوْلِي الأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾[يوسف:111].

هذا القرآن رحمة: ﴿حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾[الدخان:1-6], فمن أراد رحمة الله في الدنيا والآخرة فعليه بهذا القرآن، بالتمسك به، وتمسيك الآخرين به: ﴿وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ﴾[الأعراف:170], لا مصلح في هذه الحياة إلا من أمر بهذا الكتاب، والحث عليه وتمسك به وإلا فليس بمصلح, وإلا فليس بمهتدٍ وإلا فليس بمستنير، يخبط في ظلمات وفي حنادس الظلام، يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾[الأنفال:29], والفرقان لا يكون إلا بهذا القرآن، ولا يكون إلا بتنفيذه وتطبيقه في كل صغيرة وكبيرة، وسمى الله سبحانه وتعالى هذا القرآن نوراً: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾[الشورى:52], فمن لم يهتدِ بهذا القرآن فليس بمستنير، ولا روح له، ميت على الحياة، في عداد الحيوانات، فإن الله سمى القرآن روحاً، وتتوقف الحياة الحقيقة على هذا القرآن، فكم من الأموات الذين يعيشون في الدنيا لم يحيوا بهذه الحياة.. لم يحيوا بالقرآن، وكم ممن يعيشون في الظلم لم يستنيروا بالقرآن، هذه حياة هذا القرآن حياة: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت», حياة في القلوب.. حياة في الأبدان.. حياة في المعاملات.. حياة في العقيدة.. حياة في الأخلاق.. حياة في سائر ما يكون فيه الإنسان، على الصراط حياة، وعند الميزان حياة، وعند الحوض حياة.. وهكذا في الدنيا والأخرى، وصاحب القرآن لا يزال حياً: «اقرءوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه»، هذه حياة القرآن، حياة أن القرآن يحيى به صاحبه أخرجه مسلم من حديث أبي أمامة رضي الله عنه.

وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «يؤتى بالقرآن وأهله الذين كانوا يعملون به في الدنيا تقدمه البقرة وآل عمران تحاجان عن صاحبهما», القرآن، والعمل بالقرآن، هذا القرآن يأتي يوم القيامة العمل به وتدبره، وهكذا تطبيقه في هذه الحياة الدنيا في الشريعة، يأتي حجيجاً، يصير حجيجاً لصاحبه، حجيجاً مدافعاً عن صاحبه، فاقرءوا هذا الحجيج، اقرءوا هذا الشفيع، تدبروا، استفيدوا، ارحموا أنفسكم بما جعله الله لكم من الرحمة وما أنزله من الرحمة، فإن الله سبحانه يقول في كتابه الكريم: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ﴾[النحل:89]، فالله سماه رحمة للعالمين، وفي آخر سورة القصص أبان الله سبحانه وتعالى أنه رحمة: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ * بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾[العنكبوت:48-49].. وهكذا ﴿وَمَا كُنتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾[القصص:86], كل هذا يدل أنه رحمة، القرآن رحمة، والقرآن نور، والقرآن هدى، ومن لم يهتدِ بالقرآن فهو ضال، وما أحسن ما قاله الإمام ابن القيم رحمه الله: من لم يكفه كتاب الله وسنة رسوله ما تكفيه إلا نار جهنم([1]).

﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾[الإسراء:9], في سائر الحالات من اهتدى بالقرآن كان في الأقوم في اللسان في الأقوال، من طبق وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقرآن فقد هدي إلى صراط مستقيم، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾[البقرة:1-2], إنما يستفيد من القرآن هو صاحب التقوى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُوْلَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾[فصلت:44], ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾[التوبة:124-125], ﴿وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾[التوبة:127].

فالقرآن حجة لك أو عليك، إما أن تكون من أهله ومن العاملين به فإنه حجة لك، وشفيع لك، ومحاج عنك يوم القيامة، وإما أن تكون من المعرضين عنه فيذلك الله سبحانه وتعالى، ويضعك بسبب بعدك عن القرآن، فقد روى الإمام مسلم في صحيحه من حديث الحارث الأشعري رضي الله عنه، والحديث ثابت في السنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها».

القرآن إما أن يكون حجيجاً لك ويرفعك الله به، وإما أن يكون خصماً لك، يكون خصماً لك يوم القيامة، وروى الإمام مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله ليرفع بهذا القرآن أقواماً ويضع به آخرين».

وانظروا واعتبروا بمن وضعهم القرآن، وصاروا متخذين للقرآن وسيلة لمطمع الدنيا، ووسيلة للفتنة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[آل عمران:7], ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ[الأعراف:175-176], من عالم وحافظ للقرآن إلى مثل السوء، إلى مثل الكلب؛ لأن القرآن صار حجة عليه، ولأن الكتاب صار حجة عليه وليس حجة له، ولأنه اتخذ هذا العلم وهذا النور سلطه لقصد الدنيا ولم يتخذه وسيلة للآخرة.

أيها الناس! إن الجن قد أخبر الله عنها أنها تتأثر بهذا القرآن الذي لو أنزله الله عز وجل على جبل لخشع، قال الله سبحانه: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾[الحشر:21], وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ * قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ * يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾[الأحقاف:29-31] إلى آخر تلك الوصايا العظيمة التي أوصى بها صلحاء الجن قومهم، دعاة الجن صاروا دعاة إلى الله بآيات سمعوها من رسول الله صلى الله عليه وسلم يتلوها، وقال الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا * يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾[الجن:1-2], هذا القرآن يهدي إلى الرشد ومن لم يسترشد به فهو في غير رشد وهو في غيٍ، وهو في عمى وعمه، ألا فليتقِّ الله كل مسلم، فلتتقّ الله المجتمعات الإسلامية ولتحقق وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا القرآن الذي أوصى بكتاب الله عند موته، حقق هذه الوصية من أجل أن يسعدوا: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾[النحل:97], لا يكون العمل صالحاً البتة إلا إذا كان على ضوء كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿الر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾[إبراهيم:1].

بهذا القرآن أخرجوا الناس من ظلمات التيه، ومن ظلمات البدع ومن ظلمات الشركيات،       ومن ظلمات الهوى ومن ظلمات مطامع الدنيا، ومن ظلمات تقليد الكافرين، ومن ظلمات العصبية، ومن ظلمات سائر الفتن به: ﴿مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ[إبراهيم:1], قال سبحانه وتعالى: ﴿المص * كِتَابٌ أُنزِلَ إِلَيْكَ فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾[الأعراف:2], ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ﴾[الزخرف:44], هذه وصية رسول الله صلى الله عليه وسلم لنا بالقرآن، فليتقِّ الله المسلمون، ولينفذوا هذه الوصية، وليسعدوا هم وقومهم بتطبيق ذلك، فإن هذا القرآن رحمة وهذا القرآن هدى، وهذا القرآن نور، وهذا القرآن روح، وهذا القرآن مبين، وهذا القرآن حكيم، وهذا القرآن عظيم: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ * وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾[البقرة:130-132], أي والله أن الله قد اصطفى لنا الدين وجعلنا خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، ونقيم هذه الشعيرة العظيمة ما دمنا على كتاب الله وعلى سنة رسوله الله صلى الله عليه وسلم فنحن على خير ومن تزحزح على ذلك فقد هلك فقد قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي -إي إلى طريقتي وهديي الكتاب والسنة- فقد نجا، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك».

الخطبة الثانية:

الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد:

فقد قرأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليلة آخر سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾[آل عمران:190-191].. إلى آخر الآيات, وبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلّ لحيته، ثم بكى حتى بلّ الثرى، وجاء بلال يؤذنه بالصلاة وهو لا يزال يبكي، فقال: «تبكِ وقد غفر الله لك قال: يا بلال أنزلت عليّ الليلة آيات ويل لمن قرأها ولم يتدبرها», إنما والله نخاف على أنفسنا من هذا القرآن، ومن أن نعرض أنفسنا لشكاية هذا القرآن: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا﴾[الفرقان:30].

فويلٌ لمن هجر القرآن تدبراً له وعملاًَ به، إن هذا القرآن موعظة عظيمة، بليغة، هدى ورحمة، وقد قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم مبيناً فضائل القرآن في غير ما آية بما سبق ذكره ومما لم يذكر.

وهكذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبر عن فضل هذا القرآن ويقول: «الماهر بالقرآن مع السفرة الكرام البررة، والذي يقرأ القرآن ويتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران» ؛ لأنه مجتهد في ذلك وفي الوصول إلى العمل بالقرآن والوصول إلى حفظه، فإن حفظ القرآن يعتبر حفظاً للدين لمن عمل به، هذا القرآن مبارك تستدل منه في التوحيد وتستدل منه على المبطلين، وتستدل منه في الفقه، وهو أعظم دليل لك في كل فن من فنون العلم لاسيما هو أصل عظيم، هذا القرآن أصل عظيم للهداية، وأصل عظيم للنور وأصل للحياة: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾[الأنعام:92]، ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ﴾[ص:29], نحن مأمورون بأخذ القرآن وتدبره، وطوبى لمن كان من أهل القرآن، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اللهم اجعلني من أهل القرآن الذين هم أهلك وخاصتك», أهل القرآن هم أهل الله وخاصة الله سبحانه وتعالى، القرآن كلام الله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾[التوبة:6], ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾[النساء:164], ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾[الفتح:15], القرآن كلام الله، وإذا كان كلام الله سبحانه وتعالى وهو صفته، وصفاته عظيمة: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الأَعْلَى﴾[الروم:27] أي: الوصف الأعلى، فيجب علينا تعظيم هذا القرآن، وتعظيم صفات الله سبحانه وتعالى، وتعظيم هذه الشعيرة العظيمة والعناية به، وأن لا يقدم أحد بين يدي القرآن والسنة شيئاً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾[الحجرات:1-2], تقديم بين يدي الله ورسوله محبط للعمل فكيف بمن يعارض القرآن برأي أو بقول فلان أو علان من الناس، من عباد الله المخلوقين الملزمين باتباع كتاب الله       وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ﴾[إبراهيم:18], ذلك هو الضلال المبين.. ذلك هو الغي والردى، والبعد عن جميع الهدى.

نسأل الله العافية والسلامة والحمد لله رب العالمين.



([1] ) من لم يشفه القرآن لا شفاه الله، ومن لم يكفه القرآن لا كفاه الله.